ابن قيم الجوزية
474
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وعن حكيم بن حزام رضي اللّه عنه قال : « سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم قال : يا حكيم ، إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى » قال حكيم : فقلت : « يا رسول اللّه ، والذي بعثك بالحق ، لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا ، وكان أبو بكر رضي اللّه عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه . ثم إن عمر رضي اللّه عنه دعاه ليعطيه ، فأبى أن يقبل منه شيئا ، فقال عمر : إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم : أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء ، فيأبى أن يأخذه . فلم يرزأ حكيم رضي اللّه عنه أحدا من الناس بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى توفي » متفق على صحته . وروي عن الشعبي قال : حدثني كاتب المغيرة بن شعبة قال : « كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة : أن اكتب إليّ شيئا سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فكتب إليه : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن اللّه كره لكم ثلاثا . قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال » رواه البخاري ومسلم . وعن معاوية رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تلحفوا في المسألة . فو اللّه لا يسألني أحد منكم شيئا ، فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره . فيبارك له فيما أعطيته » . وفي لفظ « إنما أنا خازن ، فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه ، ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع » رواه مسلم . وعن أبي مسلم الخولاني رضي اللّه عنه قال : حدثني الحبيب الأمين - أما هو : فحبيب إليّ . وأما هو عندي : فأمين . عوف بن مالك الأشجعي - رضي اللّه عنه قال : « كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسعة - أو ثمانية ، أو سبعة - فقال : ألا تبايعون رسول اللّه ؟ - وكنا حديثي عهد ببيعته - فقلنا : قد بايعناك يا رسول اللّه . ثم قال : ألا تبايعون رسول اللّه ؟ فقلنا : قد بايعناك يا رسول اللّه . ثم قال : ألا تبايعون رسول اللّه ؟ قال : فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول اللّه . فعلام نبايعك ؟ قال : أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا . والصلوات الخمس . وتطيعوا اللّه - وأسرّ كلمة خفية - ولا تسألوا الناس شيئا ، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه » رواه مسلم . وعن سمرة بن جندب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن المسألة كدّ يكد بها الرجل وجهه ، إلا أن يسأل الرجل سلطانا ، أو في أمر لا بد منه » رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح . وفي « مسند » الإمام أحمد عن زيد بن عقبة الفزاري ، قال : دخلت على الحجاج بن يوسف الثقفي . فقلت : أصلح اللّه الأمير ، ألا أحدثك حديثا سمعته من سمرة بن جندب عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : بلى ، قال سمعته يقول : « المسائل كدّ يكد بها الرجل وجهه . فمن شاء أبقى على وجهه . ومن شاء ترك ، إلا أن يسأل رجل ذا سلطان ، أو يسأل في أمر لا بد منه » . وعن ثوبان رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من يتقبل لي بواحدة وأتقبل له بالجنة ؟ قلت : أنا . قال : لا تسأل الناس شيئا . فكان ثوبان يقع سوطه ، وهو راكب . فلا يقول لأحد : ناولنيه ، حتى ينزل هو فيتناوله » رواه الإمام أحمد وأهل السنن .